سيد محمد طنطاوي

250

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعلى هذا الرأي يكون قوله - تعالى - : * ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) * متعلقا بقوله : * ( ولَقَدْ نَصَرَكُمُ ) * أي : اذكروا أيها المؤمنون أن اللَّه - تعالى - قد نصركم ببدر وأنتم قلة في العدد والعدة ، وكان رسولكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في ذلك الوقت يقول لكم على سبيل التثبيت والتقوية : * ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ) * أي منزلين من السماء لنصرتكم وتقويتكم ودحر أعدائكم . أما على الرأي القائل بأن هذا الوعد كان في غزوة أحد ، فيكون قوله - تعالى - : * ( إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ) * إلخ . بدل من قوله - تعالى - قبل ذلك : * ( وإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ) * . قال الآلوسي : « والهمزة في قوله : * ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ ) * لإنكار ألا يكفيهم ذلك . وأتى بلن لتأكيد النفي ، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعدتهم . وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار . وقوله : * ( أَنْ يُمِدَّكُمْ ) * في تأويل المصدر فاعل * ( يَكْفِيَكُمْ ) * . و * ( مِنَ الْمَلائِكَةِ ) * بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه . و * ( مُنْزَلِينَ ) * صفة لثلاثة آلاف ، وقيل حال من الملائكة » « 1 » وقوله - تعالى - : * ( بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ) * إما من تتمة مقولة صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للمؤمنين ، وإما ابتداء خطاب من اللَّه - تعالى - تأييدا لقول نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وزيادة على ما وعدهم تكرما وفضلا . وقوله : * ( بَلى ) * إيجاب لما بعد « لن » أي ، بلى يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف . ولكنه - سبحانه - يعدكم بأنكم * ( إِنْ تَصْبِرُوا ) * على قتال أعدائكم وعلى ما أمركم اللَّه بالصبر عليه ، وتتقوا . أي وتتقوا اللَّه وتخشوه وتجتنبوا معاصيه * ( ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ) * أي ويأتوكم المشركون مسرعين ليحاربوكم ، وقد أعددتم أنفسكم لقتالهم ، إذا فعلتم ذلك . * ( يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) * ، أي يمددكم ربكم بفضله ورعايته لكم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة . وقرئ * ( مُسَوِّمِينَ ) * - بالفتح - أي معلمين من جهته - تعالى - بعلامات القتال . من التسويم وهو إظهار علامة الشيء . قال صاحب الكشاف : وقوله * ( مِنْ فَوْرِهِمْ هذا ) * من قولك : قفل من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى ، وجاء فلان ورجع من فوره . ومنه قول أبي حنيفة - رحمه اللَّه - : الأمر على الفور لا على التراخي ، وهو مصدر من فارت القدر إذا غلت ، فاستعير للسرعة ، ثم

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 44 .